محمد بن سلام الجمحي
600
طبقات فحول الشعراء
خلا أنّ العتاق من المطايا * حسين به ، فهنّ إليه شوس " 1 " فلمّا أن رآهم قد تدانوا * أتاهم وسط أرحلهم يميس " 2 " فثار الزّاجرون ، فزاد منهم * تقرّابا ، وواجهه ضبيس " 3 " بنصل السّيف ليس له مجنّ * فصدّ ، ولم يصادفه جبيس " 4 "
--> ( 1 ) العتاق جمع عتيق : وهو الكريم الرائع من كل شئ . والمطايا جمع مطية : وهي الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها . وقوله : " حسين به " ، أصلها " حسسن به " أي أحسسن به ، وهم يعاملون الفعل المضاعف معاملة المعتل ، لاستثقال التضعيف . ويروى : " أحسن به " ، أي أحسسن ، أيضا ، وذلك كقولهم في " تظنن " من الظن : " تظني " ، وقولهم في " ظللت " : " ظللت " بفتح الظاء وسكون اللام . و " شوس " جمع أشوس ، والشوس ( بفتحتين ) أن ينظر بإحدى عينيه ، ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها . يريد : أن كرام المطايا ، قد أمالت أعناقها ناحية الأسد تنظر وتتشمم ، وذلك من عتقها وكرمها وسلامتها من الآفات ، فهي ترتاب به ، ولكنها لا تملك أن تبين للقوم . ( 2 ) " تدانوا " ، من الدنو ، أي القرب ، يعنى دنا بعضهم من بعض عند النوم . والأجود عندي أن يكون من قولهم : " تدانت إبل الرجل " ، قلت وضعفت ، ومن قولهم : " دنى الرجل في مبيته " ، وهو المدني ، أي الضعيف الذي آواه الليل لم يبرح مبيته ضعفا ، يقول لبيد ( ديوانه : 181 ، اللسان : دنا ) ، يذكر الليل : يرهب العاجز من لجّته * ويدنّى في مبيت ومحلّ يقول أبو زبيد : لما رآهم الأسد ، قد أضناهم الإدلاج فضعفوا ، فأخذوا مضاجعهم وخفتت أصواتهم من الوهن ، أتاهم ، قد ناموا بين رحالهم . و " الأرحل " جمع رحل ، وهو المركب على البعير ، ويعنى مطاياهم . يميس : يتبختر ويختال في مشيته . ويروى : " يريس " ، أي يتبختر أيضا . ( 3 ) ثار : هب من نومه فزعا . الزاجرون ، يزجرونه ، يدفعونه عنهم بالصوت والهجهجة ، يقولون : هج هج ، وجه جه . وجاه جاه ، عالية بها أصواتهم ليرتدع عنهم . والتقراب مصدر تقرب يتقرب تقربا وتقرابا ، ولكنه أبلغ من التقرب ، يقول أبو زبيد أيضا في صفة الأسد : كأنّما كان تأييها ليأتيهم * في كلّ إيعاده يدنو تقرّابا يقول : يزجرونه ليتنحى عنهم ، فكأنما زجروه ليأتيهم ويزيد دنوا منهم . وضبيس : شرس عسر صعب المراس ، وهو الذي واجه الأسد بنصل السيف . ( 4 ) المجن : الترس يدارى حامله ويستره ، لم يحمل مجنا من عجلته وجرأته ، والجبس ( بكسر فسكون ) والجبيس : الجبان الضعيف ، وهو وإن كان موجودا في كتب اللغة ، إلا أنه لم يوضح -